في هذا التقرير الصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ورابطة أمهات المختطفين، نكشف عن تورط سلطات جنوب اليمن في إدارة مركز احتجاز سري في عدن، يُعرف باسم قاعة وضاح.
The post اليمن | تقرير يكشف عن أوضاع مروعة في مركز احتجاز سري appeared first on مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.
«بدا وكأنه عائد من الموت»؛ هكذا وصفت زوجة معتقل سابق، كان محتجزًا في «قاعة وضاح»،1 حالة زوجها الذي عاد بعد أشهر من الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي. تعكس كلماتها فداحة الكلفة الإنسانية الناجمة عن الاحتجاز في مُنشأة باتت رمزًا لإرث الحرب اليمنية والتأثير المدمر للقوى الخارجية في عدن.
منذ عام 2015، تبوأت عدن موقعًا مركزيًا في النظام السياسي المجزأ في اليمن، وهو نظام شكلته السلطات المتنافسة والدعم والتدخل الخارجي. فبعد استيلاء الحوثيين على صنعاء، انتقلت الحكومة المعترف بها دوليًا، والمدعومة من المملكة العربية السعودية إلى عدن؛ التي أصبحت عاصمتها المؤقتة. وبمرور الوقت، أحكم المجلس الانتقالي الجنوبي – الذي تأسس في 2017 بدعم وتدريب وتمويل من الإمارات العربية المتحدة– سيطرته على أجزاء واسعة من عدن ومدن جنوبية أخرى.
عمليًا، تُدار عدن وفق نموذج هجين؛ فبينما تفرض القوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي سيطرة ميدانية على الحوكمة اليومية والأمن، تحتفظ مؤسسات الحكومة المعترف بها دوليًا ومجلس القيادة الرئاسي2 بشرعية صورية وحضور إداري محدود. وقد ظلت جهود المصالحة بين الحكومة المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي الجنوبي، سواء عبر اتفاق الرياض3 أو لاحقًا عبر مجلس القيادة الرئاسي، غير مكتملة؛ مما ترك الحكم في عدن رهن اتفاقيات جزئية، تعاني من التجزئة والانقسام المتواصل. وقد أدى هذا الانقسام والتنافس المتفاقم جرّاء الدعم الخارجي، إلى ترسيخ أنظمة موازية للسلطة والعدالة، مما سمح بتواصل الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب في ظل حد أدنى من الرقابة.
هذا التوازن الهش بين القوى المتنافسة أنهار في ديسمبر 2025، عندما شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي هجومًا شرقيًا على محافظتي حضرموت والمهرة، مما دفع قوات التحالف السعودي4 في المقابل إلى شن غارات جوية على مدينة المكلا. هذه الغارات، التي صُوِّرت على أنها تستهدف شحنات أسلحة منقولة من الإمارات إلى قوات المجلس الانتقالي، ألحقت أضرارًا بالبنية التحتية المدنية وتسببت في نزوح العديد من العائلات.
في أعقاب ذلك، أعلنت الإمارات سحب ما تبقى من وحداتها العسكرية ووحدات مكافحة الإرهاب من اليمن. ورغم أن الإعلان صُوِّر على أنه قرار انسحاب عسكري، إلا أنه لم يشر إلى انسحاب سياسي أو مالي كامل. إذ لا تزال القوات المدعومة من الإمارات متجذرة في المشهد الأمني لعدن، بينما أثار إعلان الانسحاب تساؤلات ملحة حول المساءلة عن الانتهاكات التي تم ارتكبها تحت رعاية إماراتية.
وفي يناير 2026، أعلن وفد من أعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي من الرياض حلّ المجلس. بينما قوبل الإعلان برفض فوري من قيادات المجلس في اليمن ومؤيديه، الذين نددوا بالقرار ووصفوه بأنه غير شرعي وصادر تحت ضغط خارجي. فرّ رئيس المجلس إلى أبو ظبي، وتصاعدت الدعوات لدعم المجلس في مختلف المحافظات الجنوبية، على نحو يعكس انقسامات عميقة حول مستقبل تمثيل المجلس الانتقالي الجنوبي ويزيد من زعزعة استقرار الحكم في عدن.
كانت «قاعة وضاح» قبل عقد من الزمن مَعلمًا مدنيًا في عدن، دأبت على استضافة تجمعات ثقافية وفعاليات اجتماعية ومناسبات عامة عكست طابع المدينة المنفتح والمتعدد الثقافات. لكن منذ عام 2016، صنفتها المنظمات الحقوقية اليمنية والدولية مرارًا وتكرارًا كمنشأة احتجاز سرية سيئة السمعة ذات ظروف احتجاز مروعة. فتحت سيطرة وحدات الأمن ومكافحة الإرهاب التابعة للمجلس الانتقالي والمدعومة من الإمارات، وقيادة شخصيات مثل يسران المقطري وشلال علي شايع، أصبحت «قاعة وضاح» مرادفًا للاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والتعذيب. وأضحى تحولها من مَعلم مدني إلى موقع احتجاز، بالتزامن مع تشرذم المشهد الأمني في عدن بعد 2015، رمزًا للكيفية التي أعادت بها الحرب والتدخل الخارجي تشكيل مؤسسات المدينة.
وفقًا لفريق خبراء مجلس الأمن بالأمم المتحدة، تشير أدلة موثوقة إلى تعرض المعتقلين للتعذيب بشكل منهجي في السجون الرسمية والسرية في عدن، بما في ذلك قاعة وضاح، مما أسفر في بعض الوقائع عن حالات وفاة وإخفاء قسري لا تزال دون حل أو تحقيق. وقد أدى اختطاف العقيد علي عشال الجعدني وإخفائه في يونيو 2024 إلى تجدد الاهتمام بفحص ملف «قاعة وضاح»، وحشد عائلات المختطفين الذين يتطلعون لإجابات حول مصائر ذويهم المختفين منذ عام 2016، واندلاع احتجاجات حاشدة في المحافظات الجنوبية للمطالبة بالحقيقة والمساءلة.
ورغم الأخبار المتداولة مؤخرًا بشأن التغيرات في قيادة جهاز مكافحة الإرهاب، بما في ذلك هروب رئيسها يسران المقطري إلى أبو ظبي بعدما ورد اسمه في لوائح الاتهام، والشائعات حول إغلاق سجن «قاعة وضاح» إلا أن العائلات لم تتلقَّ أي معلومات موثوقة حول مصير أحبائها أو مكان وجودهم. وفي غياب الشفافية والمساءلة يستمر تأجج الغضب الشعبي وتنعدم الثقة في منظومة العدالة.
معظم المحتجزين في «قاعة وضاح» تم اختطافهم للاشتباه في انتمائهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو جماعات إرهابية أخرى. وبدلاً من تقديمهم للمحاكمة، خضعوا للاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والحرمان من الرعاية الطبية، والاحتجاز طويل الأمد بمعزل عن العالم الخارجي. هذه الممارسات، التي نُفذت تحت راية مكافحة الإرهاب، رسخت نظامًا من القمع بمعزل عن القانون.
يوثق هذا التقرير، المستند إلى 30 مقابلة مع عائلات معتقلين حاليين وسابقين إضافة إلى محامين ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين، ما لا يقل عن 18 حالة إخفاء قسري، إلى جانب أنماط مختلفة من الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والعصف بالإجراءات القانونية الواجبة. إذ تصف العائلات بصورة متسقة عمليات اعتقال عنيفة، جرت دون مذكرات توقيف أو إشراف قضائي، نفذها مسلحون ملثمون يستخدمون مركبات لا تحمل لوحات تعريفية. كما أفادت العائلات بعدم إبلاغهم بأسباب الاحتجاز أو مكان أقاربهم. وروى الكثير منهم تعرضهم للتهديد لمجرد سعيهم للحصول على هذه المعلومات.
أما عن ظروف الاحتجاز داخل «قاعة وضاح» والمواقع المرتبطة بها، فقد كشفت الشهادات عن انتهاكات خطيرة مثل الحبس الانفرادي في مساحات ضيقة تفتقر للنوافذ، والحرمان من النظافة الشخصية، وعدم كفاية الغذاء والماء، والعرقلة الممنهجة للوصول إلى العلاج والرعاية الطبية، مما يسهم في تدهور حاد لصحة المعتقلين. كما سلطت الشهادات الضوء على تعرض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك التعليق، والصعق بالكهرباء، والضرب المبرح، وأساليب الاختناق، فضلاً عن استخدام الاعترافات القسرية، والتي يتم تصويرها بالفيديو أحيانًا، لتبرير استمرار الاحتجاز أو النقل لمرافق احتجاز أخرى.
أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون ذات مصداقية أو فاعلية من خلال مثل هذه الممارسات غير القانونية. إذ إن التعذيب، والاحتجاز السري، والاعترافات القسرية لا تعزز العدالة وإنما تقوضها وتعرقل مسارها. فالاعترافات المنتزعة تحت التعذيب هي اعترافات غير موثوقة بطبيعتها، غالبًا ما تفضح تضارب ملفات القضايا ويتم دحضها تحت التدقيق القضائي، فتؤدي لفشل المحاكمات، والتي تنتهي غالبا بأحكام البراءة، أو القرار بإعادة المحاكمة، وتمديد فترات الاحتجاز رهن المحاكمة دون حسم. هذه الممارسات غير القانونية تعيق العدالة، وتدمر العائلات، وتعرقل تحديد وملاحقة الأفراد الذين قد يشكلون تهديدات أمنية حقيقية.
كما أن هذه الانتهاكات تلحق ضررًا عميقًا بالتماسك الاجتماعي وفرص إعادة توحيد البلاد. إذ تسفر عن تآكل الثقة بين المجتمعات ومؤسسات الدولة، وتستبدل المواطنة بالخوف والإذلال والمظالم الجماعية. وتحرم العائلات من حماية القانون، بينما يؤدي غياب الحقيقة والمساءلة إلى تعميق الاستقطاب. وفي بلد تمزقه الحرب والسلطات المتنافسة كاليمن، تكرس مثل هذه الانتهاكات أنظمة موازية للسلطة والعدالة، مما يجعل وحدة المؤسسات أمرًا بعيد المنال اجتماعيًا وسياسيًا. كما أنها تقوض المصالحة عبر تكريس الصدمات المستعصية على الحل والضرر العابر للأجيال.
ففي عدن، لطالما كان للوحدات الأمنية المدعومة من الإمارات دورًا مركزيًا في عمليات مكافحة الإرهاب، لكن ممارساتها المشينة أضعفت المؤسسات القضائية ورسخت نظامًا أمنيًا موازيًا يتجاوز الرقابة. وإعلان الإمارات مؤخرًا سحب قواتها لا يعفيها من المسئولية عن الانتهاكات التي ارتكبتها هذه القوات، ولا يقلل من الحاجة إلى المساءلة. بل يعكس مدى تأثر نظام الحكم في عدن بصراعات السلطة بدلاً من امتثاله للقواعد المؤسسية المستقرة. وهو وضع لا يزال بإمكان الجهات الخارجية إساءة استغلاله. لذا ينبغي أن يتبع هذا الانسحاب جهودًا حقيقية لإعادة هيكلة مؤسسات جنوب اليمن من خلال توطيد هياكل القيادة الأمنية، وتعزيز استقلال القضاء، واستعادة المساءلة المدنية.
هذه الممارسات المشينة تؤدي أيضًا إلى تفاقم الانقسامات بين القوى المحلية المدعومة من إيران والسعودية والإمارات، وبين المدنيين والسلطات، وبين المجتمعات المحلية والجهات الفاعلة الخارجية. بينما التماسك الاجتماعي، والوحدة المؤسسية، والاستقرار الوطني أمور لا تنفصل عن العدالة؛ فحيثما يتم تطبيع الانتهاكات، تغدو الوحدة الوطنية مستحيلة ويصبح عدم الاستقرار بنيويًا. وبدون تحقيقات موثوقة، وشفافية بشأن أماكن وجود المعتقلين، وآليات مساءلة قابلة للتنفيذ، ستستمر الانتهاكات، وستظل العائلات محرومة من الحقيقة أو الإنصاف، وستتعرض آفاق المصالحة والحوكمة المستدامة لمزيد من التقويض.
يجب على المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة المعترف بها دوليًا إنهاء الاعتقال التعسفي، وغلق مراكز الاحتجاز السرية، وضمان حقوق المعتقلين في الرعاية الصحية والإجراءات القانونية الواجبة. وسواء تم حل المجلس أو استمر بشكل أو بآخر، فلا يمكن التهرب من المساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبت تحت سلطته. كما ينبغي أن تتعاون الإمارات بشكل كامل مع آليات المساءلة، دون تهرب من المسئولية عن الانتهاكات المرتكبة تحت رعايتها. وعلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي العمل على إعادة التحقيقات، وحفظ الأدلة، وربط المساعدات بتحسينات قابلة للقياس في مجال حقوق الإنسان.
إن «قاعة وضاح» ليست مجرد موقع للانتهاكات، بل رمزًا للكيفية التي أنتجت بها الحرب اليمنية والتدخلات الخارجية هياكل قمع دائمة. ويعكس تحولها من مَعلم مدني إلى سجن سري انهيار الحياة العامة في عدن وترسخ أنظمة السلطة الموازية. ومعالجة كل ذلك أمر ضروري لاستعادة الثقة، وضمان المساءلة، وحماية حقوق المعتقلين وعائلاتهم.
| # | Наименование новости | Тональность | Информативность | Дата публикации |
|---|---|---|---|---|
| 1 | ليبيا | القوة فوق القانونتقرير يستعرض دور الجماعات المسلحة في ترويع السلطة القضائية وتقويض سيادة القانون | 0 | 7.18 | 31-03-2026 |
| 2 | Al Arabiya: хуситы задержали несколько сотрудников ООН | 0 | 0 | 18-10-2025 |
| 3 | الفنون وحقوق الإنسان: فلسفة التحرر المجتمعي الكامنة وراء دعم الفنانين | 0 | 6.49 | 17-07-2026 |
| 4 | СМИ: сильные взрывы слышны в йеменском Адене, сепаратисты окружают дом главы МВД | 0 | 0 | 09-08-2019 |
| 5 | СМИ: в Йемене сепаратисты заявили, что захватили президентский дворец | 0 | 0 | 10-08-2019 |
| 6 | Адвокат сообщила об ужасных условиях в изоляторе Гуцул | 0 | 0 | 05-08-2025 |
| 7 | Sudan: Verbrechen gegen die Menschlichkeit und ethnische Säuberungen in Al-Faschir | 0 | 17.78 | 01-07-2026 |
| 8 | Yemen: The ICRC stands ready to support detainee releases between conflict parties following agreement | 0 | 10 | 23-12-2025 |
| 9 | Хуситы нанесли массированный удар по военному лагерю в Йемене | 0 | 11.49 | 07-08-2026 |